أخبار عاجلة

نور ناجي: في وكر الذئاب (2)

نور ناجي: في وكر الذئاب (2)
نور ناجي: في وكر الذئاب (2)

نور ناجي

مخاوف ٨ ..

في وكر الذئاب / ٢..

نور ناجي

” هل تملك آلة حاسبة ؟!”، كانت تلك الحروف هي ما تقياء بها عاشق الحاسبات علي، قبل أن تودعني ذكرياتي بومضات متسارعة، لا أعرف ما هي الصعداء لكني تنفستها وأنا أعيد قلبي لموضعه بعد أن القى بنفسه أرضا من فرط الرعب، اتسائل بوجه يخفي تشنجاته ما أمكن ” ما سر بحث هذا الوغد عن آلة حاسبة في وقت المقيل” !!..

هززت رأسي نافية امتلاكي لها دون تنبيهه بأن أي هاتف يحمل تطبيقها، فهو لا يستحق سوى مسدس بست طلقات تفرغ جميعها على قعر جمجته، أدركت وقتها السبب الوجيه الذي يدعو الرجال لحمل سلاحهم طيلة الوقت، البعض وغد بأكثر مما تحتمله الحياة، وأنا من سيصنع فيها هذا المعروف واصطاد روحه حين أنتظره على ناصية الشارع، أعدكم بأني لن أرحل عن بقايا جسده حتى احطم هاتفه على بقايا عظامه لتمسي أكبر قطعه منه بحجم رأس دبوس ..

حاولت طرد توتري، على أمل استعادة نفسي من الدماء التي لوثني بها خيالي، أمامي مهمة أسمى من مشاعري الشخصية _ نحن نسهر من أجل خدمتكم _، تنقلت بين الوجوه الواجمة على مهل، من الجيد أن ” شمر يهرعش ” حط رحاله وصمت بعد استقراره في الصين الشعبية فقد أجاد حفيده صناعة كراهية مقيتة تجاهه وتجاه تاريخ أمة بأكملها، التقى جبين الشيخ بجبين ” سيده وعينه ” في حديث منخفض النبرات ليتدارسا أمر يبدو أنه في غاية الأهمية ؟!، كلمات هاربة منهما افادت بأن ” الرأس يبلغ عشرين ألف” !!، من المستبعد متاجرتهما بالاغنام فاسعارها يفوق ذلك المبلغ بكل تأكيد!!، لا شيء أرخص من الإنسان في بلدي وأغلب الظن أن الجدل يدور حول تسعيرته، ومازال هناك من يلوم النساء على تسميه الرجال بالاوغاد!!.. لكن،،، لا يجب أن أكون ظالمة فالكثير من الزينبيات تناقشن أمامي بمثل هذه الأسعار ذات نهار، نحن نحيا أيها السادة الأفاضل في مجتمع غارق بالاوغاد، رجال كانوا أو نساء!!…

استوقفني همس بين أثنين يجلسان في صف تجار البشر، هل يعقل بأن الحوار الدائر لم يصل إليهما، أم انهما يدعيان ذلك بينما يتبادلان النظر على شاشة هاتف معلق بينهما، ساد قسمات وجههما جمود متجهم بشكل مبالغ فيه، من الموكد بأن ما يتابعانه مخالف تماما لما يدعيانه، لعلها طريقة سهلة للتخلص منغصات الحياة، أن تشغل نفسك بتأمل نافذة جحيم محتملة، أكثر سهولة للهروب من جحيم تعايش أنفاسه المقيتة ..

ساد المكان هدوء واجم، تتناثر بعض الجمل متثاقلة متباعدة لا رابط يجمعها، لا تلبث أن تتساقط على أرضية الديوان باعياء ظاهر، إلا أني أنصت لها فلم أعد أجد شيء مثير للاهتمام، أين أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب التي اقضي مثل هذه الساعات وأنا اتنزه على مسارحمها، أين مقعدي من فرقة الترديد خلف أبو بكر سالم، لا أمانع هذه اللحظة من سماع مهرجانات ” تيجا واورتيجا ” التافهة، عن الصمت الذي يصرخ بفم مفتوح ولا يريد أن يتوقف حتى يبتلعنا..

الجميع غارق في عرقه، فنزعت عني شاربي لامسح ما علق عليه من حبات عرق، كلي ثقة بأن لا أحد سيلاحظ ذلك، وكان ظني في محله، لم أكد أعيد تثبيته ثانية حتى انتبهت للشارد القابع بجواري يحملق بي وقد تجلى لي ضيقه من حرارة الجو واختناقه، لم اعره انتباهي انتهى وقت الانصات لمشاكل العالم..

خلعت عني ” الكوت ” ووضعته جانبا ً يخنقني ضيق غريب علي، شيء ما بي تغير، أشعر بأني لم أعد نور ، يبدو أني تقمصت دور أبو صخر أكثر مما يجب وبدأت بنسيان ذاتي، كيف تمنيت في لحظة أن أكون هذا الكائن الوغد، من هذه اللحظة أضحى حلمي القديم أسواء مخاوفي، اسوأها على الاطلاق، أريد العودة لغرفتي لانفجر بالبكاء وأستعيد نفسي، لكن شيء ما يقيد حركتي، أعرف ما هو ، لا قيود أشد عليك من كونك ذكراً ..

اخذت الهموم تهاجمني كلسعات دبابير موجعة ورحت أبحث أنا الاخر عن آلة حاسبة، هناك الكثير مما يجب علي تدبر أمره، مصاريف المنزل، اقساط مدارس الأولاد ثمن شوال الرز وكيس السكر، حاولت تذكر المبلغ الذي عرضه ” سيدي وعيني ” ثمن لتوجهي لأرض المعركة، بيع نفسي سيريحني ويريح العالم..

نفذت أوراق القات من ” الباغة “، لقد نصب علي المقوت اليوم، لن انسى له ذلك، المبلغ الذي دفعته في العلاقيه يفترض أن يكفيني لمدة يومين، مزيد من القات مفيد للنسيان أو لاستعادة الذاكرة، واسترجاع هويتي الانسانية، سحبت كيس جاري وأخذت اقتات أوراقه وأبحث عني، لا يعني كوني رجل أني مصارع ثيران، مازلت مجرد طفل وإن امتلاء جسدي بالشعر، أريد ان ابكي لكن الدموع حرمت علينا كذكور، منذ الصغر ونحن محرومين من إظهار إنسانيتنا، لن يهزمني أحد واستسلم لما أنا فيه، من الغد سأعود لممارسة كرة القدم واصياد العصافير، وإن كان قتل البشر سينسيني مسؤلياتي لا بأس به ..

كمجنون تدور عيناي في محجريهما وقد أصابني هاجس عودتي للمنزل وفم زوجتي الوغدة الزاعق بالطلبات والتذمر، لن القي بالقمامة خارج المنزل بعد اليوم، أكاد أجزم انها تعمل على إهدار وتبذير ما في المنزل لصناعة أكوام قمامة نكاية وعقاب يحتم علي رميها كل نهار، تستحق النساء الوقوف في تلك الطوابير ، تستحق سحق حياتهن عبر ميليشيا الحوثي..

مسحت على شاربي، لأجده قد أمسك بيدي المرتعشة لينبهني بصوت مليء بالشفقة بأنه شارب مستعار، ابتسمت ساخرا،،ً حتى شاربي فقدته في لحظة!، ومازلت انعت عبر نساء هذا الكوكب بأني وغد شرير، لا تدعي الطهر سيدتي واخلعي عنك زي الملائكة، فانتِ لا تعطيه الحب بالمجان، لم اسمع حتى اليوم افتتاح المرأة لسوق خيري للمشاعر، بقدر ما تعطي تود أن تأخذه مضاعفا فلا داعي لادعاء العطاء المزيف، نحن أمام مزاد ترويجي ثنائي للمشاعر..

توقفت عند تلك النقطة وقد بدأت غيمة الهموم تهطل علي بأمطار انتقام سوداء، يجب علي معاقبة زوجتي والثأر منها، لا أشد من عقاب المرأة باخرى، ولن أجد افضل من نانسي صديقتي اللعوب، ستكون مغازلتها أكبر انتقاماتي وبنفس الوقت متنفساً لهمومي ومشاكلي، توقفت الأمطار فجأة عن الهطول، وعادت الغيوم لتتشكل وهي تهرش ذقنها بحثاً عن بديل آخر، فنانسي اللعوب تعرف رقمي، ولن تتوه عن صوتي مهما اختبأت خلف خشونة فيه .. تبا لي، ولشركات الهاتف المحمول التي لم تعد تسمح بخاصية حجب الأرقام ، شعرت بالبردوني بجواري يتحسس وريقات قات جاري وهو يردد : لم أجدْ ما أريدُ حتّى الخطايا أحرامٌ عليّ حتّى جهنّمْ ؟! كلّ شيء أرومهُ لم أنلهُ ليتني لم أرد ولا كنت أفهمْ !

لماذا لا اسأل المتهامسان خلف هاتفهما أن يعرضا علي ما يشاهدانه لانسى ما أنا فيه، حتى تأتيني الموافقة على طلب الهجرة التي ساقدمه في يوم ما !!.

انتفض الجنون الذي مسني على صراخ الشيخ برجل الحاسبة :” يا يوم الجن ، ايش تشتي بها الان ؟!”، رد الرجل بابتسامة ركيكة :” اشتي أعرف كم معانا رواتب عند الدولة ؟!”، زممت شفتي راضياً وقد أطلت صور الحراس الواقفين على بوابة الشيخ، هناك من سينوب عني في أول جريمة قتل كدت أن ارتكبها..

انقذتني عربة عاقل الحارة وهي تطل من طرف الحارة، يبدو أنه قرر إكمال بقية يومه الكئيب هنا، نفضت عني بؤس المكان وودعتهم على عجل قبل وصوله، لمحت البردوني رحمة الله تغشى روحه يقترب من جاري العاطفي الكتوم في محاولة منه لفهم سر تلك التنهدات وهو يكمل عني بقيه القات، فرفعت طرف الثوب هاربة من بؤرة الاكتئاب التي كادت أن تبتلعني ..

برغم كل شيء خرجت من ديوان الشيخ بحكمة لن أبخل في نشرها، لا تقتصر ” الموغادة ” على جنس، لا يوجد رجل وغد أو امرأة بذلك اللقب، يوجد إنسان قد تكالبت عليه الحياة وصنعت منه ذلك الوغد، ابحثوا عن الأسباب تحت قشرته ،، وستجدونها..

لم أعد أتذكر من رحلة عودتي للمنزل سوى بضعة أطفال يلعبون في الشارع، كانت ضحكاتهم البريئة تفوق قدرتي على التحمل، القشة التي قصمت ظهر البعير ، انفجرت باكية مشفقة على ما أرى وأنا أتخيل المستقبل الذي ينتظرهم ، غطيت وجهي وانا اهتف مخنوقة بدموعي :” ليتكم كنتم نساء، ليتكم كنتم نساء “..

أبو صخر .. نور ناجي سابقاً..

ملاحظة : سأتوقف عن كتابة مخاوفي بناء على نصيحة من الشاعر عبدالله البردوني.. يبدو أن له تصور معين، أو انها جابت له حالة نفسية

الخبر (نور ناجي: في وكر الذئاب (2)) منقول من موقع (أبابيل نت )
ونحن في الواقع أون لاين غير مسئولون عن محتواه.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق المشاط يحكم بين قيادات حوثية بعد اختلافهم على نهب الموارد المالية بصنعاء والحديدة
التالى العثور على جثة امرأة قتيلة بمحافظة إب