الارشيف / أخبار العالم / المصرى اليوم

إلى أبي آدم

اشترك لتصلك أهم الأخبار

أبي آدم..

تحية طيبة.. وبعد

لعلك قد طاب بك المقام في الجنة بعدما خرجت منها، لقد خرجت وخرجنا معك جميعا يا أبي، غفرالله لك، فتسببت فيما نحن فيه الآن من شقاء..!.

إنه لتضيق نفسي، ويعجز لساني عن وصف ما حاق بنا من بلاء، ولعلك تعلم حال أبنائك المتردية، فمنذ قتل قابيل أخاه هابيل، حلت بنا اللعنة، وسالت دماؤه في كل شبر من الأرض، ونبت من كل قطرة منها قاتل جديد يسفك الدماء، حتى إن منهم من أفنى شعوبا وأمما، فخسر الملايين من أبنائك حياتهم، وفقدوا أرواحهم، التي نفخها الله فيهم وفيك من قبل من روحه، على يد أبناء جلدتهم، بذريعة من ضغينة وحقد في نفوسهم لإخوانهم، كتلك التي كانت في نفس أبيهم القاتل الأول..!.

هل تذكر أبي آدم، حين لاحظ أبناؤك الأولون أن الوحوش في البرية تفترس غيرها من الكائنات، فأخبرتهم مما علمك الله، بأنها لم تكن لتفعل ذلك مع بني جنسها، وأننا نحن البشر ليس لنا أن نهدر حياة بعض، وإنما نستغل ما سخره الله لنا من الكائنات بقدر حاجتنا، تخيل يا أبي لقد أكل بعضنا لحم بعض، إما بالقتل الحقيقي المباشر، أو بانتهاك الحرمات، والغيبة والنميمة وهتك الأعراض وتشويه السُمعة..!.

ليس هذا فحسب يا أبي، كنا سواءً لا يُمَيِّز أحدنا على الآخر إلا التقوى والعمل الصالح، ثم فشا بيننا طاعون العنصرية، تارة بالجنس، ونسينا أن الله خلقنا من نفس واحدة وبث منها زوجها، وتمايزنا تارة أخرى بالدين، ونسينا أن الدين كله لله، وتفرقنا باللون بين الأبيض والأسود والأصفر والأحمر، كان ذلك بفعل ما اكتشفه بعض أبنائك العلماء، وأطلقوا عليه «الجينات»، كانت «الجينات» التي زرعها الله فيك تضم تلك الألوان، فأخذت تظهر في أبنائك جيلا بعد جيل، وأمة بعد أمة، ثم ظهر من بين أبنائك من يُعِدُّ نفسه خيرا من الآخرين، بعضهم فضّل الرجل الأبيض على من سواه، وظنه سيد البشرية، ولست أظن أنك يوما فرقت بيننا على هذا الأساس..!.

أتذكر أبي حديثك لأبنائك عن نعمة العقل؟! تلك النعمة التي ميزك وميزنا الله بها، وكيف أنك أوصيتهم خيرا بعقولهم، وبالحفاظ على سلامتها، وإثرائها بالعلم، وتطويرها بالتجربة، وصيانتها بالحكمة، وحذرتهم من استخدامها في المعاصي والشرور، ولكنهم لم يحفظوا عهدك، فأهدر الكثيرون منهم قيمة العلم، ودمروا عقولهم، وغيبوها بالمُسْكرات وما على شاكلتها، والأدهى والأمرّ من استخدموا عقولهم في الإضرار بالآخرين، وتحقيق المكاسب غير المشروعة، وإهلاك الحرث والنسل..!.

لقد عشت على الأرض يا أبي بصحبة أمنا حواء- أرجوك اقرأها مني السلام- فلم تلوثا الأرض، وظلت طاهرة نقية كما خلقها الله، ولكن منا من أهملها ولوثها ودمر مواردها، لقد أذوا صحتنا، وأهدروا حياتنا، سامحهم الله..!.

أبي لقد ساءت أحوالنا، صرنا نعاني الجوع وأنت الذي رزقك الله من الثمرات، صرنا نعاني الجهل، وأنت الذي علمك الله الأسماء كلها، صرنا نتنافس في العري، وأنت الذي سارعت بإخفاء عورتك عندما انكشفت بفعل المعصية..!.

لقد تذكرت الآن وأنا أكتب إليك تلك الرسالة أنك لم تحدد لنا طريقة للحكم، لقد عشت ألف سنة أو يزيد على هذه الأرض، فلم تكن متسلطا مستبدا، كنت تعلم أن الشيطان يتربص بك، وأنك بشر ضعيف، ستغريك ملذات الدنيا، وربما تدفعك مرة أخرى إلى معصية الله عز وجل، فعزفت عن الحكم، وتركت أبناءك يديرون شؤونهم بأنفسهم، ويدبرون أحوالهم، فاشتغل بعضهم بالزراعة، وآخرون بالصيد والرعي، ثم تنازعت مصالحهم، وتضاربت احتياجاتهم، فاستدعوا من يفصل بينهم، واختاروا منهم من يعدل في أمورهم، ويحسن التدبير والمشورة؛ ليحميهم ويخدمهم، ومرت الأيام والسنون، حتى تناسى بعض هؤلاء أن الحكم لله، وأن الأرض لله يرثها ومن عليها، فاستبدوا وأفسدوا، لقد بلغ ببعضهم السفه، والعياذ بالله، إلى إدعاء الألوهية..! حتى إبليس اللعين لم يفعلها..!.

أبي لقد بعث الله من بين أبنائك رُسلا ليذكروا بنيك بأنهم من أديم الأرض، وإليها يعودون، لقد حكوا لنا حكايتك، وحذرونا من الشيطان، ودعونا إلى عبادة الله، فما كان من بعض أبنائك إلا أن حاربوهم وعاندوهم وأهانوهم، لقد آمن بهم الكثيرون، ودفع البعض حياته ثمنا لهذا الإيمان، ولكن الشيطان ظل لنا بالمرصاد كما كان لك، لقد أضلنا وأغوانا..

أبي عذرا لقد لمتك على أن أكلت من الشجرة، لقد أكلنا منها جميعا من بعدك، فكان لنا أن نستحق جميعا الخروج من الجنة، خرجنا لنلقى مصيرنا المقدر، ولنعبد الله، فما عبدناه حق عبادته، ولنعمر الأرض، فدمرناها، ولكني أرجوك أن تسامحنا، فلسنا جميعا في غاية السوء، بعضنا وعى الدرس.. زلّ.. فاستغفر.. فتاب..

أبي حتى يحين لقاؤنا، الذي أرجو أن يكون قريبا في جنة الخلد، حيث بيتنا الأول، ومستقرنا الأخير بإذن الله.. لك مني يا أبتِ السلام..

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا