أخبار تونس : بورتريه: سمير الطيب.. المعارض الذي ضل الطريق في السلطة

الصباح الأسبوعي - تونس 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأحد 30 سبتمبر 2018

نسخة للطباعة

بورتريه: سمير الطيب.. المعارض الذي ضل الطريق في السلطة

مجازفا بكل صولاته وجولاته النضالية في المعارضة، وبتلك الصورة المضيئة التي نجح في رسمها آنذاك - كسياسي شرس ومقنع إلى أبعد الحدود- يستميت اليوم وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري سمير الطيب في تحطيم تلك الصورة وفي هدم رصيده من الثقة التي كان يحظى بها لدى عامة الناس.
فهو ومنذ توليه حقيبة وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري في حكومة الوحدة الوطنية يثير «العجب» من خلال تصريحاته «المستفزة» والتي لا تمت بصلة لمواقفه السابقة قبل أن يلتحق بالفريق الحكومي للشاهد.
فتصريحاته ومواقفه جعلت كثيرين يقفون مشدوهين «أمام هول السلطة وسحرها وقدرتها على خفت الأصوات وتلوين الأشخاص وتغييرهم مما دفع بالناطق باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي إلى القول في تصريح إعلامي ان «وزير الفلاحة صبغوه وأصبح مثلهم يفعل ما يمليه عليه الطرف الحاكم».
فمنذ ان تقلد الطيب ذلك المنصب الوزاري والى اليوم «جاري التحميل» عن شخصية ذلك «الحُقوقي» الذي خبرته «ساحات النضال» والذي كانت تهتز على وقع مداخلاته قبة باردو. فمن المضحكات المبكيات انه كلما نطق الطيب أو تفاعل مع حدث ما إلا ويردد كثيرون «سبحان مغير الأحوال».
ولد سمير الطيب يوم 26 ماي 1975 لتصدق بذلك الأبراج الفلكية حين عرفت مواليد برج الجوزاء على أنهم: «متسرّعون ومُتنقلون بين الشخصيات المتناقضة بسرعة البرق، فتجدهم أحيانا كالريح والعاصفة وأحياناً أخرى كالنسيم الرقيق»... فشتان اليوم بين ذلك الرجل الذي كان يصدح عاليا داخل قبة باردو منتقدا أداء الحكومات المتعاقبة.. وبين «الجبة» التي لبسها منذ توليه حقيبة الفلاحة حيث أضحى وعلى حد تأكيد كثيرين، مدافعا شرسا عن حكومة الشاهد من خلال مواقفه وتصريحاته التي يصر من خلالها على تحطيم تلك الصورة، حتى ان مواقفه دفعت بالنائب عن حركة نداء تونس عماد أولاد جبريل، إلى القول «من يسمع سمير الطيب قبل تعيينه وزيرا يظن أنه قادر على حكم بريطانيا».
اما عن مسيرة الرجل فتختصرها موسوعة ويكيبيديا في كونه درّس في كلية الحقوق بصفاقس بين 1989 و1995 ثم درس ابتداء من سنة 1996 في كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس كما نشط بين سنتي 2001 و2003 في الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية. ليسطع اثر ذلك «نجم» الطيب بعد ان انضم عقب الثورة إلى حركة التجديد التي ترشح عنها في انتخابات المجلس التأسيسي بألوان تحالف القطب الديمقراطي الحداثي حيث فاز على إثرها بمقعد في دائرة تونس 1.
ليساهم سنة 2012 في تأسيس حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي الذي اختير كناطق رسمي باسمه.
ومنذ ذلك التاريخ بدأ الرجل في نحت صورة المعارض الشرس لتشهد قبة المجلس الوطني التأسيسي كما الوقفات والمسيرات الاحتجاجية على صولات ومواقف الرجل النضالية بالنظر الى التحديات المصيرية التي عاشتها البلاد في تلك الفترة على غرار مدنية الدولة وحرية المرأة، الخ... من المسائل الجوهرية اذ لطالما كان نقد الطيب لأداء حكومة الترويكا وغيرها من الحكومات المتعاقبة «يشفي الغليل».
لكن سرعان ما تلاشت نجومية الرجل، فقد محت السلطة وبجرة قلم كل ما بناه الطيب عقب الثورة، ليجد نفسه وبتاريخ 9 جويلية 2018 امام دعوات تطالب بإقالته بعد ان عبّر عن ذلك نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي على خلفية تصريحاته التي وصفت بـ»الخطيرة» حيث قال:
«إنّ حراس الغابات يمدّون قوات الأمن بالمعلومات».
تصريح اعتبر نشطاء أنّه من الممكن أن يُشكّل تهديدا لحياة الحراس مطالبين بإقالته أو أن يبادر وبصفة ذاتية بتقديم استقالته.
لكن الطيب لم يبادر بالاستقالة وإنما واصل سلسلة تصريحاته المستفزة والتي كشفت في جوهرها عن وجه آخر للرجل «المتنكر لمبادئه» على حد تشخيص البعض.
فقد استنكر كثيرون تصريحاته الأخيرة المتعلقة بالكارثة التي حلت بالوطن القبلي بعد ان اعتبر الطيب «ان الأمطار على الرغم من الإشكاليات التي تسببت فيها، كانت لها فائدة كبيرة على الفلاحة بعد ان امتلأت اغلب السدود دون تسجيل أضرار تذكر» واصفا في السياق ذاته الخسائر التي خلفتها الفيضانات بـ»البسيطة».
تصريحات مستفزة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ لم يتوان الطيب عن القول بأن «شهر رمضان ليس شهر الدجاج. حيث يتم عادة الإقبال على استهلاك اللحوم الحمراء والأسماك خلال هذا الشهر»... وكأن الوزير قد غابت عنه الأسعار المشطة اللحوم الحمراء والأسماك، دون ان ننسى تصريحه الشهير الذي كان مدعاة للسخرية والتندر على مواقع التواصل الاجتماعي بعد ان أورد الطيب ان «الشعب التونسي أحببنا أم كرهنا لا يستخدم زيت الزيتونة في الطبخ… وفي ثقافته لا يميل كثيرا لاستهلاك زيت الزيتون لأن ثقافته للأسف زيت آخر !!
«سبحان مغير الأحوال»، لم يرددها التونسيون فحسب، وإنما تناهت أيضا الى الأمين العام للمنظمة الشغيلة. فبعد ان وصف الطيب إضراب الأساتذة بغير القانوني، أورد الطبوبي تعقيبا على هذا التصريح «سبحان مغير الأحوال، أريد أن أسأل الوزير، هل كان الإضراب الإداري للتعليم العالي الذي خاضه في عهد بن علي، قانونيا أم لا.. أم أنه يغير موقفه حين يغير جبّته؟ أم هو حلال عليكم حرام علينا؟»...
وبالتوازي مع ذلك، فقد طالت تصريحات الطيب «المستفزة والمثيرة للاستغراب» حتى رفاق الأمس بعد ان اعتبر عضو المجلس المركزي للجبهة الشعبية محسن النابتي - ردا على تصريح الطيب بأن الوضع داخل العائلة اليسارية يبعث على الاشمئزاز – «إن الطيب مازال يحسب نفسه من اليسار وهو على النقيض في توجهاته، فقد أصبح سكرتيرا لحركة النهضة ولليمين الليبيرالي وكان الأجدر به التركيز على وضع حزبه وحكومته والفلاحة التي ازداد تدهورها في عهده».
ومع كل هذا يواصل الطيب وبثبات في نفس الاتجاه مصرّا على حصد المزيد من الغضب والسخط على أدائه والذي طال حتى بيته الداخلي بعد ان أوضح القيادي في حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي جنيدي عبد الجواد في تصريح إعلامي عقب تجميد الطيب عضويته بالحزب، أن المسار لم يقم بطرد سمير الطيب من الحزب وأن بإمكانه العودة إلى تقلد مسؤوليته كأمين عام للحزب من جديد بعد خروجه من الحكومة، قائلا: «غدا يخرج من الحكم.. والحكومة لن تدوم له».
سمير الطيب وردا على سؤال يتعلق بتراجع شعبيته السياسية إثر قبوله بالمنصب الوزاري أورد في حوار له مع الشقيقة «الصباح الأسبوعي» ان «كل معارض لا يٌعارض من اجل ان يٌعارض. فأنا لست الجبهة الشعبية.. انا أعارض لان لدي تصورات وقناعات وعندما أرى عكس ذلك أعارض. فسمير الطيب المعارض يتحول سمير الطيب المسؤول».
لكن الأكيد ان سمير الطيب «المسؤول» وبقبوله المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية قد خسر الكثير والكثير من رصيده النضالي، فقد ساهم بيديه في هدم ذلك الرصيد من خلال تصريحاته التي تزيد كل مرة الطين بلة كما تعكس في جوهرها التالي: «ان التونسي في واد.. وسمير الطيب في واد آخر.»
غير ان السؤال الذي يظل يطرح بإلحاح: هل للسلطة مفعول يحول دون تطبيق قناعات ومبادئ المعارض؟
◗ منال حرزي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق